السيد محمد تقي المدرسي
50
العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)
فلقد كتب " الحسن البصري " رسالة إلى أبي محمد الحسن بن علي ( عليه السلام ) وقال فيها : أما بعد ؛ فإنكم معشر بني هاشم الفلك الجارية في اللجج الغامرة ، والأعلام النيرة الشاهرة ، أو كسفينة نوح ( عليه السلام ) التي نزلها المؤمنون ، ونجا فيها المسلمون ، كتبت إليك يا بن رسول الله عند اختلافنا في القدر ، وحيرتنا في الاستطاعة ، فأخبرنا بالذي عليه رأيك ورأي آبائك ( عليهم السلام ) ، فإن من علم الله علمكم ، وأنتم شهداء على الناس ، والله الشاهد عليكم ، ذرية بعضها من بعض ، والله سميع عليم . فأجابه الإمام الحسن ( عليه السلام ) : " بسم الله الرحمن الرحيم ، وصل إليّ كتابك ، ولولا ما ذكرته من حيرتك وحيرة من مضى قبلك ، إذاً ما أخبرتك ، أما بعد ؛ فمن لم يؤمن بالقدر - خيره وشره - أن الله يعلمه فقد كفر ، ومن أحال المعاصي على الله فقد فجر ، إن الله لم يطع مكرهاً ، ولم يُعص مغلوباً ، ولم يهمل العباد سدىً من المملكة " « 1 » . موقف الأئمة الهداة ( عليهم السلام ) من علم الكلام لا يسعنا في هذا الفصل أن نفصل القول في مواقف أئمتنا الهداة من علم الكلام وأعلامه وموضوعاته ، لا سيما وأن التاريخ الذي يمتد من عام ( 61 ) حيث استشهد الإمام ( عليه السلام ) وإلى عام ( 250 ) عند الغيبة الصغرى ، حافل بالصراعات الثقافية ، بين رسالات الله التي أكملت على يد الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وتجسدت في القرآن الحكيم وتفسيره الصحيح ، وبين ثقافات البشر التي تموجت بفعل الحضارة الإسلامية ، وكادت تضل المسلمين لولا تصدي أئمة الهدى لردها من جهة ، ولتوضيح القرآن من جهة أخرى . ونستطيع أن نقول : إن نهوض الأئمة ( عليهم السلام ) بتبصير الأمة ، وكشف ملابسات العلم ورد شبهات المنحرفين على القرآن ، كان أعظم أفعالهم ، بالرغم من أن سائر ما قاموا به من قيادة الحركة الإسلامية وتربية أبناء الأمة كان أيضاً عظيماً جداً .
--> ( 1 ) ( ) البحار ، ج 5 ، ص 40 - 41 .